الغزالي

78

إحياء علوم الدين

فإن قلت : بما ذا يصير الرجل ذا لسانين ! وما حد ذلك ؟ فأقول ، إذا دخل على متعاديين ، رجا من كل واحد منهما ، وكان صادقا فيه ، لم يكن منافقا ، ولا ذا لسانين . فإن الواحد قد يصادق متعاديين . ولكن صداقة ضعيفة ، لا تنتهي إلى حد الأخوة . إذ لو تحققت الصداقة ، لاقتضت معاداة الأعداء ، كما ذكرنا في كتاب آداب الصحبة والأخوة . نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر ، فهو ذو لسانين وهو شر من النميمة ، إذ يصير نماما بأن ينقل من أحد الجانبين فقط . فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام . وإن لم ينقل كلاما ، ولكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه ، فهذا ذو لسانين . وكذلك إذا وعد كل واحد منهما بأن ينصره ، وكذلك إذا أثنى على كل واحد منهما في معاداته . وكذلك إذا أثنى على أحدهما ، وكان إذا خرج من عنده يذمه ، فهو ذو لسانين . بل ينبغي أن يسكت ، أو يثنى على المحق من المتعاديين ، ويثنى عليه في غيبته ، وفي حضوره ، وبين يدي عدوه . قيل لابن عمر رضي الله عنهما ، [ 1 ] إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول ، فإذا خرجنا قلنا غيره . فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا نفاق مهما كان مستغنيا عن الدخول على الأمير ، وعن الثناء عليه . فلو استغنى عن الدخول ، ولكن إذا دخل يخاف إن لم يثن ، فهو نفاق ، لأنه الذي أحوج نفسه إلى ذلك . فإن كان مستغنيا عن الدخول لو قنع بالقليل ، وترك المال والجاه فدخل لضرورة الجاه والغنى ، وأثنى ، فهو منافق . وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « حبّ المال والجاه ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل » لأنه يحوج إلى الأمراء وإلى مراعاتهم ومراءاتهم . فأما إذا ابتلى به لضرورة ، وخاف إن لم يثن ، فهو معذور فإن اتقاء الشر جائز . قال أبو الدرداء رضي الله عنه ، إنا لنكشر في وجوه أقوام ،